تأثير الذكاء الاصطناعي على التعليم: التحديات والفرص
دكتور فكرى فؤاد
أستاذ النظم والتحول الرقمى
دور التعليم في وجود أي دولة مهم للغاية. جودة القوى العاملة، وتعقيد الاقتصاد، ومعدل الجريمة كلها تعتمد على جودة النظام التعليمي في بلد معين. ومع ذلك، فإن إنشاء نظام تعليمي شامل وذو صلة وعالي الجودة هو مهمة معقدة ومكلفة للغاية تشمل العديد من المراحل: إنشاء وتوزيع البنية التحتية المادية، والتدريب والتوظيف، بالإضافة إلى التكيف الديناميكي للنظام مع احتياجات البلاد وسوق العمل.
أخيرا، يجب اختبار النظام بأكمله بانتظام من حيث الفعالية والملاءمة والعدالة. داخل مثل هذه الأنظمة المعقدة، هناك دائما العديد من نقاط الفشل المحتملة، وهذا ينطبق بشكل خاص على الدول النامية التي تواجه الفساد والإخفاقات المؤسسية ومستويات منخفضة من الثقة العامة. وفي هذا الصدد، فإن أي ابتكارات تكنولوجية يمكن أن تساعد في إنشاء وصيانة نظام تعليمي يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة للدول التي تعمل بنشاط على تطوير أنظمتها التعليمية.
أحد الأمثلة الحديثة نسبيا على هذه التكنولوجيا هو الإنترنت، الذي وفر لمئات الملايين من الناس وصولا سهلا ورخيصا نسبيا إلى قواعد معرفية واسعة، بالإضافة إلى تسهيل البحث والتعاون الدولي في مجال التعليم. لا شك أن الإنترنت أحدث ثورة في المجال من خلال تغيير قواعده وممارساته. الآن، هناك تقنية جديدة تلوح في الأفق لديها القدرة على تضخيم الجوانب الإيجابية والسلبية لثورة الإنترنت، مما يعيد مرة أخرى إلى تغيير الوضع الراهن في التعليم. تلك التقنية هي الذكاء الاصطناعي (AI)، الذي أحدث بالفعل تأثيرا كبيرا في عالم التعليم. يجب على المجتمع الأكاديمي وصناع القرار في هذا المجال أن يولوا اهتماما دقيقا لتقنية الذكاء الاصطناعي وتكييف أساليبهم لتحقيق أقصى استفادة منها.
وفقا لاطر العمل الدولية للذكاء الاصطناعي هو "قدرة الحاسب الرقمي أو الروبوت الذي يتحكم به الكمبيوتر على أداء مهام عادة ما ترتبط بالكائنات الذكية." تشمل هذه المهام عادة القدرة على التعلم، والتعرف على الكلام والصور البصرية، واتخاذ القرارات، وتفسير النص وإدخال الصوت، وغيرها. ومع ذلك، في الوقت الحالي، في المراحل الأولى من تطبيق التكنولوجيا، هناك سلبيات أكثر من الإيجابيات. حظرت العديد من الجامعات حول العالم استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل طلابها وتستخدم برامج مختلفة لاكتشاف استخدام الذكاء الاصطناعي في نصوص الطلاب. ومع ذلك، حتى أكثر هذه البرامج تقدما لا تقدم دائما تقديرات دقيقة، مما قد يؤدي إلى اتهامات كاذبة أو انتهاكات مفقودة .
ومع ذلك، إذا استخدم الطلاب الذكاء الاصطناعي ليس لكتابة النصوص مباشرة، بل لتوليد أفكار، والتحقق من القواعد، أو حتى للتدريس، على سبيل المثال، فإن مثل هذا التداخل يصبح غير قابل للكشف. علاوة على ذلك، في مثل هذه الحالات، قد لا يكون استخدام الذكاء الاصطناعي احتيالا أكاديميا، وذلك حسب طبيعة الدورة والواجب. وبالتالي، فإن الحظر الشامل على استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي غير واقعي وغير مرغوب فيه للمجتمع الأكاديمي. لذلك، فإن السيناريو الأكثر منطقية هو دمج تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المجال التعليمي لتقليل الأضرار والمخاطر القائمة وزيادة الفوائد.
ولدمج الذكاء الاصطناعي في المجال التعليمي، من الضروري تقييم ومعايرة فوائده ومخاطره الحالية والمحتملة بطريقة تفيد البيئة الأكاديمية. هذا التكامل ممكن بعدة طرق.
أولا، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة العمليات شبه المميكنة، مثل تصحيح أعمال الطلاب. بينما هناك بالفعل العديد من البرامج الحاسوبية الأقل تطورا لتصحيح المهام المعيارية، مثل اختبارات الاختيار، يمكن للذكاء الاصطناعي التعامل مع مهام أكثر تعقيدا، بما في ذلك المقالات والأسئلة المفتوحة او أسئلة الرأي وما إلى ذلك. على سبيل المثال، يمكن استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي لتحسين تحصيل الطلاب باستخدام أداتين فقط: الأولى حددت الإجابات الصحيحة والخاطئة في أوراق الطلاب، والثانية طرحت أسئلة توجيهية ساعدت الطلاب على الوصول إلى الاستنتاجات الصحيحة. وبفضل هاتين الأداتين فقط، يتمكن الباحثون من تحقيق تحسن ذي دلالة إحصائية في نتائج الطلاب.
علاوة على ذلك، فإن تقليل كمية العمل المميكنة وشبه المميكنة الذي يقوم به المعلمون سيعيد توجيه وقتهم إلى أنشطة أكثر فعالية، مثل تدريس الدروس أو تطوير المقررات. كما سيكون لها تأثير إيجابي على المؤسسات التعليمية، مما يقلل من التكلفة الإجمالية لتقديم الخدمات التعليمية. بالإضافة إلى ذلك، يضمن التصحيح التلقائي المدعوم بالذكاء الاصطناعي الاتساق والعدالة، مما يقضي على التحيزات المحتملة التي قد يرتكبها المعلمون عن غير قصد.
ثانيا، لدى الذكاء الاصطناعي إمكانات هائلة كأداة للتعلم الشخصي. يمكن للتقنية تخزين وتحليل المعلومات عن كل طالب: نتائجه، اهتماماته، تفضيلاته، أنماط تعلمه، نقاط القوة والضعف. استنادا إلى هذه المعلومات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم لكل طالب مسارا تعليميا شخصيا يحسن ويعزز عملية التعلم. وبالاقتران مع التغذية الراجعة الفورية والتعليمات خطوة بخطوة، تستطيع هذه التقنيات أن تلعب دور مدرس خاص مؤهل ومرن للغاية مع مجموعة لا تنتهي من الواجبات المصممة خصيصا لنقاط قوة الطلاب. يمكن أن تزيد هذه الممارسة بشكل كبير من الإمكانات الأكاديمية لكل طالب بتكلفة أقل بكثير.
أما بالنسبة لمخاطر إدخال الذكاء الاصطناعي إلى النظام التعليمي، فيمكن التمييز بين ثلاثة جوانب رئيسية: خصوصية البيانات، المعلومات المضللة، والعلاقات الإنسانية.
وكما هو الحال مع أي منصة رقمية أخرى تستخدم الإنترنت تقريبا، ستجمع تطبيقات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في التعلم بيانات عن مستخدميها، بما في ذلك أنماط السلوك، والمعلومات الشخصية، والمعلومات الأكاديمية. هناك دائما احتمال أن تقع هذه البيانات في الأيدي الخطأ، وبسبب تسرب المعلومات، مما قد يؤثر سلبا على الطلاب والمؤسسات التعليمية. من ناحية أخرى، فإن مثل هذه الحالات نادرة جدا، ومع استخدام تدابير أمنية كافية ومنتظمة مثل تشفير البيانات، يمكن تقليل هذه المخاطر.
تهديد المعلومات المضللة المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي هو مشكلة أكثر أهمية واعترافا بها على نطاق واسع، ولديها القدرة على تقويض فكرة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لأغراض تعليمية. مشكلة المعلومات المضللة تتضمن جانبين مميزين.
أولا، هي ظاهرة "هلوسات" الذكاء الاصطناعي – وهي عملية "إنشاء نص لا يستند إلى معرفة أو سياق حقيقي، بل على أنماط وارتباطات مكتسبة من بيانات التدريب بسبب هذه الهلوسات، يمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء نصوص منطقية بناء على حقائق أو مقدمات خاطئة، أو الإشارة إلى أعمال غير موجودة. يمكن أن تسبب هذه المشكلة عواقب خطيرة في المجال التعليمي، خاصة إذا استخدم الذكاء الاصطناعي كمساعد في التعلم. قد لا يمتلك طلاب المدارس وحتى طلاب الجامعات مهارات التفكير النقدي الكافية لتصفية المعلومات والتحقق منها. لذا، يمكن أن تكون المعلومات المزيفة التي ينشئها الذكاء الاصطناعي متجذرة بعمق في قاعدة معرفة الطلاب، مما سيؤثر سلبا على العملية التعليمية.
ثانيا، هناك مشاكل مرتبطة بالتحيز. في البداية، بطبيعته، الذكاء الاصطناعي هو تقنية تبني معرفتها على بيانات من المصادر المفتوحة على الإنترنت. مصدر هذا التحيز غالبا ما يكون مجموعات البيانات المستخدمة، والتي قد تعكس عدم المساواة الاجتماعية أو تحتوي على أخطاء تاريخية. مثل هذه التحيزات المدمجة في تطبيقات التعليم للذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤدي إلى استمرار الاختلالات القائمة وحتى تكثيفها، مما يؤثر في النهاية على نتائج الطلاب التعليمية وقدراتهم ووصولهم إلى الموارد." يلاحظ التحيز بالفعل، على سبيل المثال، في الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT أو غيرها من تلك البرامج وهم كثر، حيث من المرجح أن ينشئ صورا للنساء إذا كان الطلب متعلقا بممرضة، والرجال إذا كان الأمر يتعلق بالمحامين
ومع ذلك، وبما أن هذه المشكلة معروفة على نطاق واسع، هناك عدة خطوات يمكن اتخاذها لتقليلها. أولا، يجب على المؤسسات التعليمية التأكد من أن نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها مدربة فقط على مجموعات بيانات مثبتة وعالية الجودة. ثانيا، يجب تحذير الطلاب الذين يعملون مع الذكاء الاصطناعي من الأخطاء المحتملة وتعليمهم صياغة الاستعلامات بشكل صحيح. بالإضافة إلى ذلك، عليك التركيز على التفكير النقدي والتحقق من البيانات من مصادر مختلفة. وأخيرا، يجب ألا يتخذ الذكاء الاصطناعي قرارات في المجالات التي يكون فيها التحيز ممكنا، مثل قبول الطلاب. مزيج من الأدوات الجديدة والتقليدية سيساعد في تقليل مشكلة المعلومات المضللة.
وبالتالي، يمكن الاستنتاج أنه رغم استمرار تطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بسرعة ويمكن أن يكون لها تأثير مدمر على المجال التعليمي، فإن دمجها المستقبلي في العملية التعليمية يكاد يكون حتميا. وهذا يعني أن المؤسسات التعليمية والهيئات الحكومية المهتمة بمزيد من التطوير يجب أن تبذل كل جهد لتحليل جميع جوانب ثورة الذكاء الاصطناعي الحالية وتنفيذ التغييرات المناسبة لتكييف أنظمتها في أسرع وقت ممكن. النهج الاستباقي هو المفتاح، لضمان أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة إضافية تعزز القدرات البشرية، بدلا من أن يحل محلها.
وفى النهاية تبقى كلمة
في الواقع، بينما يبدو أن الذكاء الاصطناعي دخل مجال التعليم مؤخرا فقط، إلا أنه ليس كذلك. لقد كان موضوع بحث في هذا المجال لنحو خمسين عاما، ومنذ أكثر من عقد بقليل، أدخلته العديد من الدول إلى المدارس، خاصة في شكل ما يسمى "أنظمة التعلم الذكي" – والتي، رغم اسمها، لا يمكن القول إنها مزودة بالذكاء. حيث تم تصميم هذه الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي لتوفير فرصة لكل طالب للتعلم الفردي، وهو ما يعتبر أكثر فعالية من الصفوف الجماعية. بعبارة أخرى، صممت لأتمتة جزء من عمل المعلم، وهذا يعني حتما أتمتة بعض جوانب التعلم.
هذا المثال يتحدث كثيرا، جزئيا بسبب ان التعلم هو واحد فقط من ثلاث وظائف مميزة للتعليم.
بالإضافة إلى التعلم نفسه (الذي نسميه "التأهيل")، أي تكوين المعرفة والمهارات وتطوير القدرات، يهدف التعليم أيضا إلى "التنشئة الاجتماعية" – العملية التي نجد من خلالها مكاننا في المجموعات الاجتماعية والثقافية والسياسية – بالإضافة إلى التعليم لتحقيق "الذاتية"، التي من خلالها نصبح أفرادا قادرين على التفكير المستقل وعضوا مسؤولا في المجتمع.
على عكس التعلم بالذكاء الاصطناعي، يهدف التعليم أيضا إلى التواصل الاجتماعي وتكوين أعضاء مسؤولين في المجتمع وهذا ما لا يقدمه الذكاء الاصطناعي للتعليم
مساحة مخصصة لإضافة إضافات التعليقات مثل Facebook أو Disqus.